الاثنين، 27 يونيو 2011

حآلة إدمان !

كان صباحاً بارداً ..فكل شئ قد أصابه الرتابة والملل ..

حتى أشعة الشمس كانت ترتل تعاويذ الحنين ..

أووه ,, إنها الخامسة والنصف لو تأخرت أكثر لن أظفر بكوب القهوة الذي أكتفي أحيانا برائحته لتنشيطي ..

فالمرضى لا ينتظرون أو يصفحون عن أخطاء الطبيعة والنعاس ...

أكملت تجهيزاتي وأدواتي , وقبل خروجي ألقيت نظرة سريعة على المرآة ..

نعم هذه هي أنا بياض من الرأس لأخمص القدمين ,حتى من قوة نصاعته أشعر بأن روحي تنتعش !

كانت أروقة المستشفى تشكو نفس رائحة المعقم الذي يتخللها ..

الحالات المرضية أيضا نفسها لا تتغير إلا بأعراض اليأس الموجع ..

ذاك الصباح كنت أقصد مستشفى نائية لإكمال خطة التدريب المرسومة لي في الخطة الدراسية , ولسوء حظي كانت في أحدى أكثر المستشفيات سوءً ..

عموما الوضع ليس في غاية الأهمية كل ما علي فعله أن أمثل الراحة حتى أمتص أوجاع رواد هذا المكان , فلم أنسى الشعور الرائع الذي يأتيني بعد أن أخفف وجع أي مريض , وكميات الدعوات التي تنهمر لي كالمطر فتثلج نيران كرة أرضية بأسرها ..

ألقيت تحية الصباح على رفيقات الدراسة والأمل ,يااااه لو يعلمون ماذا يعني وجودهم لي وكيف تهون الصعاب في برهة النظر إلى إحداهن, أخبروني أنه لم يتبق سوى حالة وحيدة لم يدرج عندها أي ممرضة ’ لم أتفاعل مع كلماتهم وتوجهت للحالة لأبدا جمع المعلومات والتاريخ المرضي ..

دخلت ببرود ألقيت التحية , رُدت التحية ببرود أكبر ..

كان شابا في الثلاثينات من عمره والستينات من خيبته

كانت الأجواء مهيأة لكل شئ يدعو لليأس والخيبة ..

رائحته السجائر الخانقة , كلامه الممتلئ باليأس والاستهزاء , نبرة صوته المتذمرة ..

تفاصيله الدقيقة كانت محيرة , لا أنكر أنني شعرت بشئ من القلق والارتباك,

أخفيت ذلك وبدأت أساله :

اسمه ,عمره ,حالته الاجتماعية , تاريخه المرضي ,

وحينما وصلت لسؤاله ما نوع الدخان الذي يعتاده .؟ أجابني حشيش ظننته يستهزأ مثلت أنني لا أسمعه واعدت السؤال من جديد وأجاب نفس الإجابة حشيش واعتلت صوت ضحكته إرجاء الغرفة ..

كنت أردد بيني وبين نفسي ياااه هذا ما كان ينقصني تبا لهذا المكان حتى الذين يظهرون في وقار يبدؤون في الاستهزاء والمراوغة ..

أكملت الإجراءات سلمتها لطبيب الحالة قلت له أنه أجابني انه يدخن الحشيش وضحك هو الآخر لاستنكاري إجابته ,ربما أفقي الضيق لم يستوعب الحقيقة بسرعة ..

كان الفضول يمزقني وعدت إليه مرة أخرى , أخذت العلامات الحيوية ,

ردت قياس الضغط كانت ساعده في حالة يرثى لها كأن المشرط قد تفنن في الرقص عليها , سألته : ما هذا ؟!

ضحك مرة ثانية نفس القهقهات الساخرة وأردف ,,أجلسي لأحكي لك قصتي :

ممم من أين أبدا قصتي فقصتي مختلفة جدا عن بقية المدمنين وضحك من جديد (هههههه نعم إنا مدمن مين قدي !)

أنا أبن لإحدى العائلات الشريفة بمكة ونشأت بين أم طيبة وأب حنون لكنني كنت اشعر إنني أريد شيئا غير عاديا فلم أرد أن انشأ بنفس طيبة أمي ولا حنان ابي كنت أبحث عن ذاك الشرر المتطاير تخرجت من الثانوي وكنت أميل قليلا لابنة عمي و لأنها رفضت لي طلبا طلبته أردت أن ألقنها درسا فسافرت للدراسة بالخارج ولا أنكر رغبتي في التحرر كانت قوية و تفاجئت بعد يومين بزواجها حقيقة لم يؤثر بي كفاية خبر زواجها !

تعرفت هناك على مجموعه أجانب من مختلف الأقطار العربية والغربية

ومارست الكبائر بأشكالها كأنني كنت أبحث عن شئ ما يرضي الشيطان داخلي

لكنها إرادة الرب لم يصيبني شئ ففي كل تارة ألقى بها في مصيبة أخرج منها دون أن أشعر بحجمها ...

إلى أن أرسل إلي أبي عن طريق السفارة السعودية هناك رسالة يدعوني فيها أن أعود فأمي وهو اشتاقوا لي وحقيقة إنا اشتقت لرؤية أناس طيبين وطاهرين أفضل من تلوثي عدت ووجدتني ماضي خمس سنوات هناك بلا فائدة ووجدت أختي أصبحت أما و أختي الصغرى باتت فاتنة وأخي الصغير خط شاربه طريقه فقسم وقته بين الدراسة والعمل وأما إنا عدت لهم من الخارج محمل بالحشيش وردة فعل الناس تماما كردة فعلك المتجاهلة حين أخبرتك أني أدخن الحشيش ,

فيا حضرة الممرضة هذه هي قصتي فما رأيك أهي بسيطة وغريبة لدرجة السخف والغباء ؟

حاولت أن أجد الكلمات المناسبة فدماغي الصغيرة لم تستوعب القصة جيدا , جربت البحث عن كلمات أهون عليه مصيبته ولكنه سبقني برده ..

وقال هوني عليك أنا لم أخبرك لتهوني علي مصيبتي لكن لك روحاً تبعث بالراحة منذ الانطباع الأول فشعرت كأنني أعرفك من سنين , ونظراتك الطفولية المتفحصة

وتعجبك من تدخين الحشيش هو ما دفعني أن أخبرك أن هناك في هذه الدنيا مصائب لا تستوعبه عقلك الصغير البرئ ...

عموما يا صغيرتي لأبأس الآن يمكنك أن تخرجي أشعر الآن بالراحة التي تدعني أنام ...شكرا لك كثيرا ...

خرجت من غرفته بسكون تام , أنهيت الساعات المتبقية من الدوام وخلدت إلى النوم فور وصولي , أحيانا تحدث أشياء أكبر من أن نستوعبها إلا بالهروب ..

في اليوم التالي , أجتمع صديقاتي حولي فانتشرت قصة حالتي وأصبحوا يسألونني عن الحالة , كان مع كل سؤال يرن في أذني قهقهاته الساخرة ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق